السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي

8

وسيلة الوسائل في شرح الرسائل

الاختلاف في بعض المسائل كحجّيّة الإجماع ووجوب الاحتياط في الشّبهة التّحريميّة أو ما أشبه ذلك لا يوجب الملاعنة والمباراة وترك المراودة والمداراة وشانهم اجل من أن يدعوهم مجرّد ذلك إلى المخاصمة والعناد والحكم بالبطلان والفساد كيف والاختلاف في الأدلّة والمدارك من شأن أهل النّظر والاستدلال وتفاوت الانظار ممّا يوجب تفاوت المنال ألا ترى انّ الأصحاب لم يطعنوا على السّيّد المرتضى ره واحزابه ممّن لم يعمل باخبار الآحاد مع انّ ذلك خلاف ما ذهب اليه الجلّ فما وجه الخلاف وما سبب الاختلاف وتحقيق المقام انّ النّزاع بينهم في امر ديني لا في مجرّد مطلب اصلى أو فرعى وحقيقة منشأ النّزاع بينهم انّ العمل بالظنّيات الّذى هو المناط في الاجتهاد باطل عند الأخباريين والواجب عندهم العمل بالعلم في الأحكام الشّرعيّة لعدم الوصول إلى الواقع بغيره فيلزم عدم الامتثال في الأوامر والنّواهى وبعبارة أخرى اتّفق الفريقان على دليليّة الادلّة من الآيات والأخبار وحجيّتها الّا انّ المجتهدين يعملون بها من جهة انّها طريق إلى الواقع موجبة للظّنّ به والمحدّثين يعملون بها من جهة انّ مداليلها هي المكلّف بها من الاحكام فحجيّتها عند الأوّلين بإضافة الطّريقية إليها بخلاف حجيّتها عند الآخرين لأنّها قد تصادف الواقع وقد لا تصادفه واليه أشار ابن قبة ره حيث قال انّ العمل بخبر الواحد يوجب تحليل الحرام وتحريم الحلال وممّا قرّرناه يظهر انّ طريقة الأخباريّة لا يمكن اثباتها الّا باثبات امرين ابطال العمل بالظّن واثبات انفتاح باب العلم وإفادة الأدلّة للقطع وقد تكلّفوا لإثباتهما بما لا يفي بمقصودهم ونحن نفصّل الكلام في ذلك في مرحلتين الأولى في بيان الامر الأوّل وقد ذكروا له وجوها من الدّلائل العقليّة والنّقليّة انّه لو جاز العمل بالظنّ لا تبقى ثمرة الّتى زعموها براهين قويمة وتوهّموها موازين مستقيمة مع انّه ليس لشيء منها في اثبات مدّعاهم دلالة وظهور لكن المخطئ معذور بل مثاب ومأجور فمن الوجوه العقلية انّه لو جاز العمل بالظّن لانتفى ثمرة العصمة في الإمام ع والتّالى باطل فكذا المقدّم بيان الشّرطية انّ ثمرة العصمة هي الوثوق بكلامه ع ولا شكّ انّ اشتراط الوثوق لا ينفع الّا مع عدم كفاية الظّنّ بالأحكام لعدم توقّف حصول الظّنّ على الوثوق والعصمة لظهور حصوله من غير المعصوم كما في الرّواة والوسائط وهذا الوجه الفاسد قد اخذوه واقتبسوه من شبهة أوردها رئيس أهل التّشكيك وصاحب كل اعتراض ركيك الفخر الرّازى على وجوب عصمة الحجّة وهي انّ الاماميّة يكتفون بالظّن في الأحكام إذ الرّواة لا يحصل من كلامهم الّا الظّن فاىّ مانع من عدم كون الحجّة معصوما كما في الوسائط والطّبقات ومنها انّه لو كان المكلّف به هو الواقع وكان حجّية الأدلّة من جهة الطّريقيّة والإيصال إلى الواقع فالوصول إلى الواقع بهذه الطّرق الظّنّية امّا ان يكون مقدورا أو لا فعلى الأوّل يلزم ان لا يكون المخطئ معذورا وهو باطل وعلى الثّانى يلزم التّكليف بما لا يطاق والبديهة تشهد ببطلانه ومنها انّ مصادفتها للواقع امّا ان يكون اختياريّة أو غير اختياريّة فعلى الأوّل يلزم ان يكون المخطئ معاقبا مع انّه لا معنى للخطإ ح كما لا يخفى وعلى الثّانى يلزم ترتّب الثّواب والعقاب على الأمر الغير الاختياري وهو باطل لما هو معلوم في طريقة العدليّة من انّ العبد لا يثاب ولا يعاقب على الأمور الاضطراريّة بل يلزم منه ان يكون المخطئ أولى بالأجر لسعيه وحرمانه عن المصالح المترتّبة على الواقع فيكون له اجران وللمصيب اجر واحد لما مرّ وامّا الوجوه النّقليّة فهي الأدلّة الدّالّة على حرمة العمل بالظّنّ وهي مذكورة في كتب الأصول وسيأتي الإشارة إليها المرحلة الثّانية في بيان الأمر الثّانى قد تلخّص ممّا مرّ انّ التّكليف لا يكون الّا بتوقيف علمىّ لما علمت من انتفاء ثمرة العصمة لو اكتفى بالظّنّ فيه فحصول العلم امّا بالوحي أو الإلهام أو الكشف أو السّماع بالمشاهدة أو العقل أو البيانات النّقليّة لا سبيل إلى الأوّل لانقطاعه ولا إلى أحد من الثّلاثة التّالية له لانتفاء الكلّ ولا إلى التّالى لها لأنّ العقل لا يدرك خصوصيّات الأحكام وان استقلّ ببعضها فالأمر منحصر في الأخير فتكون البيانات علميّة ولا شكّ انّها لا تكشف عن الواقع يقينا فلا بدّ من أن يكون مداليلها علميّة وتكاليف واحكاما واقعية لنا فإذا انحصر أمرنا في البيانات فنحن مكلّفون بالخطابات الواصلة الينا كيفما كانت وح يكون باب العلم مفتوحا لنا إذ الحكم في حقّنا ما عندنا من الآيات والأخبار وهي علميّة على ما هو المفروض امّا النّصوص منها فظاهر وامّا الظّواهر منها فلمقدّمة علميّة يتمسّك بها المجتهدون أيضا في بعض المقامات كمسألة عموم خطاب المشافهة وهي انّ الخطاب بما له ظاهر وإرادة غيره مع عدم نصب القرينة عليه قبيح لاستلزامه الاغراء بالجهل والحاصل انّ التّكليف يتعلّق بمدلول والدّليل فذلكة المرام انّ الأخباريّين وافقوا الأصوليّين في الحكم بانّ ألفاظ الكتاب لا يتحصّل منها العلم بالواقع الّا انّهم خالفوهم في الحكم بكون التّكليف بالواقع باقيا وكون الأدلّة ظنّيّة بل حكموا بعلميّة الأدلّة وكون مداليلها مكلّفا بها هذا غاية ما حقّقه المحقّقون منهم في تأسيس اساسهم واثبات طريقتهم والجواب امّا عمّا ذكروه في المرحلة الأولى من الوجوه فنقتصر فيه على الجواب عن الأوّل منها ويظهر الجواب عن الأخيرين أيضا من مطاوي كلماتنا وملخّص الكلام فيه انّ ثمرة العصمة ليست منحصرة في العمل بالعلم حتّى تنافى حجّيّة الظّن بل لها فوائد كثيرة وثمرات غفيرة منها رفع التّشاح والتّشاجر والتنازع والتّناظر عن النّاس فانّهم إذا اختلفوا في حكم من الأحكام لم ينقطع اختلافهم ونزاعهم الّا بشخص ممتاز إذا استند قول أحدهم اليه غلب على الباقي ومنها إزاحة العلل والاعذار عن العباد في اخذ الأحكام عن الحجّة ومنها قبول قوله في الأحكام والاطمينان به وعدم مخاصمته وعدم مطالبته بالدّليل فانّ أمثال ذلك لا يحصل الّا بامام معصوم لا يدانيه الخطأ والخطل ولا يلاقيه الزّيغ والزّلل سيّما فيما إذا كان الحكم الصّادر منه عليه السّلم خلاف ما يقتضيه القياس وغير ما يفهمه عقول عامّة النّاس كمسألة دية الأصابع وان في قطع الثّلاث ثلثين وفي قطع الأربع عشرين حيث ظنّ الرّاوى انّ هذا من حكم الشّيطان قبل ان يسمعه من الإمام عليه السّلم فإذا سمعه منه ع قبله مطمئنّا لعلمه بانّه معصوم عن الخطأ وانّ لسانه لسان اللّه تعالى فبالعصمة يتميّز العالم من الجاهل والحقّ من الباطل وعلى ذلك دلّت الأخبار والآثار الواردة عن الأئمّة الأطهار وهذه الثّمرات لا تنتفى بالعمل بالظّنّ ليكون اشتراط العصمة منافيا له وامّا عن المرحلة الثّانية فهو انّ ما ذكروه فاسد من وجوه أحدها انّ علميّة الظّواهر وكونها مكلّفا بها تنافى ادلّة الاشتراك في التّكليف من الكتاب والسّنّة والإجماع